قال أحدهم ذات مرة مفعمة بحقيقة لايدرك فحواها إلا قلّـة منا : لا أريد أن تنال مني الشيخوخة، فقد شخت آلاف المرات من قبل..! ترى ماالذي يجعلنا نشعر أن العمر قد سحبنا آلاف المرات إلى ساحات أكثر اتساعاً من أحجام أقدامنا، ساحات رحبة نشعر ونحن على صفحتها بالضآلة وكأننا أصغر من ذرة رمل تائهة في محيط سديمي.. أهي المآسي التي تتضخم من حولنا فتحيل الصروح العظيمة بدواخلنا إلى أضرحة مهشمة..؟! أم أن فقداننا من نحب يشطب من قائمة العمر أشعة الفرح ولا يترك لنا بعد رحيلهم سوى قنديل خجول لايكاد يتسلل نوره إلى الخارج حتى يختار التقوقع على ذاته من جديد..؟! متى يشعر المرء أنه قد أصبح كبيراً كهـوّة سحيقة انهالت عليها كل الأوراق المحترقة حتى يكاد المرء ينسل من جلده الذي قارب على النطق جهرا : كفى، لا أريد أن أكبر أكثر..!!
ربما جالت في أذهاننا حقيقة مفادها أن التقدم في السن يعني الحكمة، ولكن ماذا لو كان التقدم في السن لايعني سوى اجتراع المزيد من العذابات، والرجوع إلى ذكريات سقيمة، إلى محطات تـقف فيها كل صنوف الندم والحسرة بالمرصاد لذاكرتنا الشاسعة بحقائق مختلفة، إلى أشخاص أذقناهم مرارة الظلم في لحظة بدت لنا العدالة عرشا مهيبا لايستحقه سوانا، أو ربما طرق أبواب ذاكرتنا أولئك ممن اختاروا الرحيل حين ضاقوا ذرعا بجمود سلوكياتنا بعدما وهبونا رصيداً لامحدوداً من الصبر على صلادة أدمغتنا فكسبنا رضى الذات وخسرنا صبرهم وافتقد العمر وجودهم حتى اعتراه الذبول، وبقيت مرارة رحيلهم شوكة نافرة في الحلقوم..! وإذا مااستثنيـنا محطات الكبر التي تغزو بني البشر فسيولوجيا عاما بعد آخر، فما هي حكاية الغزو الذي يجتاح منازل الروح ساعة بعد أخرى..؟!
نحمل أمنية غالية بين الحنايا كي لاتصافح الشيخوخة ديار الجسد والروح، نرنو إلى وقت طيـّع لايعتاش على موائد أعمارنا، وقت تنصاع فترات تجواله بين ردهات العمر لأوامر نصيغها كيفما نشاء ..ماذا لو فكرنا بمنح بعض الحب والهدوء لكل من حولنا، أترانا سنشعر أن العمر قد اعتراه كساد دائم، أترانا سنعجز عن تدوين معاني الرضى ولو فوق صفحة واحدة من صفحات كتاب العمر..؟! هناك وجوه ذابلة نحت الزمن فوق خطوطها الدقيقة آلاف الحكايات الشاهقة منها والمتهالكة، لكن تلك الوجوه تحتفظ بقلوب تنبض شباباً بين الأضلع، ربما أكثر من الشباب أنفسهم..إنها قلوب كبيرة، لايمسها السقم مادامت تعلّـم الآخرين القناعة والرضى بما قسمه لنا الخالق عزوجل ..
على أية حال.. بالنسبة لي ورغم أن الزمن يسرقني يوماً بعد يوم إلا أنني لم أعترف به بعد، ولا زلت أكابر وأجزم بأنني لا زلت أنا، نفس الروح نفس الفكر بل ربما نفس النزق الصباياني
كنت أعتقد أن المرء يتغير تغيراً جذرياً كلما مر به حيناً من الدهر, وأن روح ابن العشرين ليست كروحه عندما يبلغ الأربعين، وأن ما ينطقه في تلك المرحلة لا يمكن أن يكرره في المرحلة الأخرى.
لذا .. فأنا أجزم الآن أن الشيخوخة لا تصيب إلا الجسد، والروح لا تشيخ، ربما تذبل، تحبط أو تكتئب ولكنها تبقى على عهد الصبا وخصوصاً إذا كانت روحاً معطاء تعطي ولا تسأل.
مساؤك ود وورد أخي أبوتميم، وعذرا على تأخري في الرد ..
صدقت أخي.. الروح لاتشيخ، ولكنها قد تذبل، شأنها شأن أجمل الأشياء في الحياة، لكن كلمة السر: العطـــاء، تأتي ثمارها حين نبذل بإخلاص أروع مالدينا من وقت وجهد في سبيل إسعاد الآخرين ..